السيد كمال الحيدري

38

الدعاء إشراقاته ومعطياته

والمناجاة المُباشرة بين العبد وربّه . وإذا ما صُنِّف الوحي بالمباشر وغير المباشر ، فإنَّ قضاء الحوائج ونيل الكمالات المفقودة على قسمين أيضاً ، إمّا أن يحصل بصورة مُباشرة ، وهو ما كان بواسطة الدعاء ، وإمّا أن يحصل بالواسطة ، وهذه الواسطة مهما تعاظم أمرها وعلا شأنها فلا ترتقي في الاستجابة لما عليه واسطة الدعاء ، وهذا لا يتنافى مع القول بصحّة الدُعاء بواسطة أُخرى ، أعني بواسطة التوسّل بالنبيّ وآله ( صلى الله عليهم وسلّم ) ، فهذا التوسُّل له مقامه الشريف ، وأنّهم ( عليهم السلام ) لهم كرامتهم العظمى التي لا يشكّ فيها مؤمن ، ولكنّك عرفت أنّ مقتضى الحديث النبويّ هو أنّه لا يُوجد شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء ، فافهم ، ولا تغفل عن ذلك . الرواية الرابعة : وأخيراً فقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : « يدخلُ الجنةَ رجلانِ ، كانا يعملان عملًا واحداً ، فيرى أحدُهما صاحبَهُ فوقَهُ ، فيقول : يا ربِّ بما أعطيته ، وكان عملُنا واحداً ؟ فيقول الله تبارك وتعالى : سألني ولم تسألني » . ثمَّ قال ( صلى الله عليه وآله ) : « اسألوا الله وأجزلوا ، فإنّه لا يتعاظمه شيء » « 1 » . والمهمّ في ذلك هو سلوك طريق الدعاء ، فهو طريق الكمال والتكامل في مراحل السير والسلوك ، والمراد من قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( أجزلوا ) : أن تكون مطالبكم عظيمة ، لا ضئيلة تافهة « 2 » ، ولذلك قال ( صلى الله عليه وآله ) : « فإنّه

--> ( 1 ) عدّة الداعي ونجاح الساعي ، مصدر سابق : ص 42 . ( 2 ) روي عن الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) أنه قال : « إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان نزل على رجل بالطائف قبل الإسلام فأكرمه ، فلمّا أن بعث الله محمّداً صلّى الله عليه وآله إلى الناس قيل للرجل : أتدري من الذي أرسله الله عزّ وجلّ إلى الناس ؟ قال : لا ، قالوا له : هو محمّد بن عبد الله يتيم أبي طالب ، وهو الذي كان نزل بك بالطائف يوم كذا وكذا فأكرمته ، فقدم الرجل على رسول الله صلى الله عليه وآله فسلّم عليه وأسلم ، ثم قال له : أتعرفني يا رسول الله ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربّ المنزل الذي نزلت به بالطائف في الجاهلية يوم كذا وكذا فأكرمتك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : مرحباً بك ، سل حاجتك ، فقال : أسألك مئتي شاة برعاتها ، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وآله بما سأل ، ثم قال لأصحابه : ما كان على هذا الرجل أن يسألني سؤال عجوز بني إسرائيل لموسى عليه السلام بما سأل ، فقالوا : وما سألت عجوز بني إسرائيل لموسى ؟ فقال : إنّ الله - عزّ ذكره - أوحى إلى موسى أن احمل عظام يوسف من مصر قبل أن تخرج منها إلى الأرض المقدّسة بالشام . فسأل موسى عن قبر يوسف عليه السلام ، فجاءه شيخ فقال : إن كان أحد يعرف قبره ففلانة ، فأرسل موسى عليه السلام إليها . فلمّا جاءته قال : تعلمين موضع قبر يوسف عليه السلام ؟ قالت : نعم . قال : فدلّيني عليه ، ولك ما سألت : قالت : لا أدلّك عليه إلا بحكمي ، قال : فلك الجنة ، قالت : لا إلّا بحكمي عليك . فأوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى لا يكبر عليك أن تجعل لها حكمها . فقال لها موسى : فلك حكمك ، قالت : فإنّ حكمي أن أكون معك في درجتك التي تكون فيها يوم القيامة في الجنّة . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما كان على هذا لو سألني ما سألت عجوز بني إسرائيل » . انظر : فروع الكافي ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 155 ، الحديث : 144 .